محمد بن عبد المنعم الحميري
81
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
استبداده ، وكثر حساده ؛ وخاف على نفسه من الدخول إلى قصر السلطان ، وخشي أن يقع بطالبه في أشطان ؛ فتوثق لنفسه ، وكشف له ما ستر عنه في أمسه ؛ من الاعتزاز عليه ، ورفض الاستناد إليه ؛ وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصرٍ ينزل فيه ، ويحله بأهله وذويه ؛ ويضم إليه رياسته ، ويتم به تدبيره وسياسته ؛ ويجمع فيه فتيانه ، وغلمانه ؛ ويحشر إليه صنائعه . فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهره الموصوفة بالمشيدات الباهرة ؛ وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم ، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم ؛ وشرع في بنائها سنة 368 ، فحشر إليها الصناع والفعله ، وأبرزها بالذهب واللازورد متوجة منعله ؛ وجلب نحوها الآلات الجليلة ، وسربلها بهاء يرد العيون كليله ؛ وتوسع في اختصاطها ، وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها ؛ وبالغ في رفع أسوارها ، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها ؛ فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة ، وصار بناؤها من الأبنية الغريبة ؛ وبنى معظمها في عامين . وفي سنة 370 انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته ، وفتبوأها وشحنها بجميع أسلحته ، وأمواله وأمتعته ؛ وتخذفيها الدواوين للعمال ، ترتفع فيها ضروب الأعمال ؛ والاصطبلات لأنواع الكراع وعمل داخلها الأهراء ، وأطلق بساحتها ؛ ثم أقطع وزراءه وكتابه ، وقواده وحجابه ؛ القطائع الواسعة فابتنوا بأكنافها كبار الدور ، وجليلات القصور ؛ واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة ، والمنازه المشيده ؛ فاتسعت هذه المدينة